في عام 960مــ ، عاد سيف الدولة فاتحاً حصن برزويه من أكالب الروم، ليستريح في مضافة والي أنطاكيا، ومن باب حسن الضيافة قدَّم الوالي إليه المتنبي لتكون بداية الصداقة الشهيرة بين سيف الدولة وملك الشعراء، وقف حينها المتنبي وأنشد قصيدة ميمية وصف فيها انتصار سيف الدولة واستيلاءه على حصن برزويه، منها:
لقد ملَّ ضوء الصبح مما تُغيرُهُ .. ومل سواد الليل مما تُزاحمهْ
ومل القنا مما يدق صدوره .. ومل حديد الهند مما تُلاطِمهْ
لقد سل سيفَ الدولة المجدُ معلمًا .. فلا المجد مخفيه، ولا الضرب ثالمه
إن نوعية هذه الأبيات وحسنها فاقت مدح شعراء البلاط ومهدت لصداقة المتنبي بسيف الدولة. لكن إلى أي درجة فاقت هذه الأبيات مثيلاتها من المدائح؟ قد لا يمكننا إدراك ذلك لكن ما ندركه تماماً أنها أعلى؛ إذ أن الفن لا نستطيع قياسه كمًّا.
ثم لنذهب إلى جنوب فرنسا تحديداً إلى مصحة (Saint Paul de Mausole) في عام 1889مــ ، لنرى فان جوخ جالساً على شرفته متأملاً القرية المُطلّة وهو يرسم لوحته الشهيرة ليلة النجوم، المفارقة أنه المشهد كان في الصباح الباكر. لتكون اللوحة الأجمل والأشهر في التاريخ. لكن ماذا قصد فان جوخ بتفاصيل الرسمة ؟ قد لا يمكننا تفسير جميع أبعادها إذ لم يقدم لنا فان دوخ إرشاداتٍ للمعاني، لكن ما نعلمه يقيناً أنها من أجمل اللوحات؛ في حين أننا لا يمكننا دائما إدراك أبعاد المعاني المكنونة في العمل الفني دون تفسيرٍ يحيط بمقاصد الفنان.
حسناً، تأتي البلاغة بوصفها فنًا برَعَ فيه العرب، فيه يعبرون عن مرادهم بإيجاز ورهافة، وللمعنى والشاعرية في تكوينة العرب قيمة واستحضار دائم، إذ أن البادية والطبيعة الصحراوية التي ينشأ فيها العربي تؤصل فيه سمو المعنى ودقة الفكرة ، كما أن الصحراء القاحلة لا تقيم وزناً مادياً للسائرين عليها فلا صاحب المال سيهديه ماله ولا صاحب الجاه سيرشده جاهه حين يتيه في قيظ الصحاري، فلا بد من معانٍ روحية، لا تعتمد على الأسباب المادية كليًّا، وربما أيضاً هذا ما فضلّ الله به العرب على بقية الحضارات لحمل الرسالة السماوية الأخيرة .. على كلٍّ لقد كانت الصحراء أداةً لتخصيب المعاني في نفوس العرب، لتدخل بعدها مصنع البلاغة لتنتج أجود الصناعة وأنفس البضاعة، الشعر والخطابة، فما إن بُعث النبي الأمين حتى كانت العربية في أسمق بنيان وأبدع بيان، والشعر يباع في الأسواق والبلاغة عملته، فهاتيك المعلقات على جدار الكعبة يتفاخر بها القوم، وذاك سوق عُكاظ يتساجل فيه الشعراء، وذاك يهجو وهذا يمدح .. أتفهمني يارفيق ؟ لقد كان هذا الحال هو السائد من الشعر الجاهلي بأبلغ ما يمكن أن تصل إليه البلاغة بوصفها فناًّ، وهو مقام عالٍ من تجسيد المعنى لا يتأتى لنا أن ندرك أبعاده، وليس لبعد زمانه بل لسموق المعنى المكنون. ثم كان ما كان، أن نزل كتاب رب العالمين، نزل به الروح الأمين، بلسان عربيٍّ مبين، على النبي السراج المنير. نزل القرآن رافعاً من فن البلاغة إلى مقامٍ لا يستطيع مضاهاتهُ العرب أنفسهم ، فيأتي الواحد منهم متأبّطا للرسول بالحججْ ثم يسمعه فيقف مصعوقاً. فهو كلامٌ فاق كل الكلام ومعنى تدور في فلكه كل المعاني و خطاب على منبر فوق كل المنابر، لم يسمع مثله قط إنس ولا جان، فحتى عرب الجن (فقالوا إن سمعنا قرآناً عجبا) ! فأي منزلة من الجمال كان هذا الكلام ؟
الحقيقة لم أستطع التعبير عن هذه المنزلة حتى قرأت قول الوليد بن المغيرة آنذاك حين عاد من ركن النبي إلى أحلاس قريش ليخبرهم بماذا سمع، فقال: "وماذا أقول؟! فوالله، ما فيكم من رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه، ولا بقصيده، ولا بأشعار الجن مني، والله، ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا، والله، إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته." هذه هي (إنه ليعلو وما يعلى)، حقاًّ لقد (فكر فقدّر). فلتلحظ هذا يا صاحبي إذ هناك بونان شاسعان هنا: بونٌ فيما وصلت له بلاغة العرب في الجاهلية وبون شاسع بين بلاغة العرب وبلاغة القرآن، وبلاغة القرآن لا حد لها ولا منتهى، فهي لا تنضب على مر الأزمان! كما أننا لا يتأتى لنا قياس مدى العلو في كل بون! فهو يعلو ولا يعلى عليه! فأي منزلة فيه هو هذا الكتاب .. إنه القرآن العظيم.
هذا المقام السامي للقرآن يتطلب منَّا طويل نظر إليه وحسن إقبال عليه، وقد خصص هذا الدين العظيم شهر رمضان (الذي أنزل فيه القرآن) لأن يقضي المسلم فيه أيامه وساعاته منفرداً مع هذا الكتاب العظيم .. فامسك به يا رفيق واستشعر (ليعلو ولا يعلى عليه) أثناء تلاوته.