صورة تعبّر عن النص · مولَّدة بالذكاء الاصطناعي
لما رجع عمر 🕊️
مأخوذة من كتاب «المفترق»
تكتبها (سلسبيل) في الأدب · ⏱ 5 دقائق قراءة
يفتش عن عينيها في رجاء، يعلوهما حاجبان كثيفان، ويحوطها كل تلك الغضنات التي تحكي عذاب السنين، وتتوسطها نظرة رؤوم بالكاد تميزها، وسط لمعة دموعها الدائمة.. أيعقل ألا تكون بين كل هؤلاء المنتظرين؟ ماذا عساها إذن تفعل إن لم تأتِ إليه اليوم أمام هذه البوابة التي منعتها عنه اثنا عشر عامًا.. يجلس مجبرًا على رصيف قرب بوابة السجن، إذ لم تعد قدماه تحملاه وهو حاف، يجرهما بالتبادل، مستندًا على الجدران تارة، وعلى المارة تارة، على رأسه «سُلُكُه» الأحمر، وقد قرّبه أمام وجهه ليستر بكاءه، إلا أن صوته المخنوق وهو يشارك الجموع بالتكبير يفضحه، لا أحد يشغله هنا ستر فرحه على أية حال، ولكنه اعتاد آخر سنواته أن يعدم التفاعل والتواصل، بعد أن فقد كل من تعلق به من رفاق المعتقل..
على بدنه سترة زيتية رثة حفظها كل تلك السنوات لأجل هذا اليوم، تضرب أطرافها على جسده النحيل الذي اعتاد الضرب فما عاد يؤلمه بل لا يشعر به..
تقبل إليه عجوز، تمسكه بلهفة من وجد ضالته، تتحسس وجهه وتتفحص ملامحه: – هاد أنت يا حسن؟ لك هاد أنت يا أمي؟ رد عليّ يا أمي هاد أنت؟
تهزّه فيدفعها عنه في جمود، ويلوح بكفيه نافيا، ويمضي تاركًا إياها على كتف شاب يبدو حفيدها، يواسيها ويأملها أنهم سيجدون حسن.. أما عمر الذي لم يعد ذلك الشاب العاطفي الخجول، ما بقي منه إلا السُلُكُ والسترة المهلهلة..
| ما بقي منه إلا السُلُكُ والسترة المهلهلة.. |
كان عائدًا يومها من حمص إلى دمشق، من أصله إلى مرباه، حيث سوق الهال الذي احتضن جلّ عمره مذ دخله يافعًا يبتغي أي عمل يحتاج قوة وعرقًا لا عقلًا ودراسة تعتبر بذخًا لفتى مثله.. لم يكن ثائرًا ولم يُرِد، فقد جرّب سجنهم مرة بتقرير كيدي من أحد تجار السوق الصغار، لفق له تهمة «شتم الرئيس» فـ«قشوه»، وأذاقوه مرّ كؤوسهم، عندما كانت الشوارع تعج بشتم الإله دون رقيب..
خرج يقسم أن يمشي الحيط الحيط، وأن يخاف من لا يخاف الله، وأن يقول للكلب يا سيدي طالما له حاجة عنده، كله لأجل عينيها ألا تبكي..
ورغم أنه لم يستطع دائمًا أن يحفظ عهده الرابع، حفظ العهود الثلاثة التي لم تغفر له جريمة أن يكون اسمه اسمه، ومدينته مدينته..
***
كانت أم علي من ذلك الجيل الذي كانت نساؤه جبارات لا تشتكين، يشاركن في أعمال الفلاحة، والرعي، والعجن، والرعاية.. فتخشن أيديهن، وترقّ قلوبهن، ذاك الجيل الذي كان يهد الجبال ويهده الرجال.. تزوجت صغيرة كسائر البنات آنها، كابدت شظف العيش والفاقة مع رجل كسائر رجال جيله حاد، جلف، شديد، يحمل من طيبة القلب ما يحمل من قسوته وقسوة البلاد عليه، إذ تدفعه مرة للحرب ومرة للسفر لأجل الرزق، ومرة للعودة لأفراد أسرته الثمانية خالي الوفاض صفر اليدين.. حتى ما عاد له جلد على دأب الكدّ، فراح يقترض من أصدقائه من شاركوه السعي ولم يشاركوه عثرة الحظ، ويضخّ في مشاريع خاسرة تزيد العائلة فقرًا والزوجة الصابرة ألمًا على أبنائها الذين ما اشتد عودهم بعد، وتزيده هو قهرًا، وحسرة، وقلة حيلة يقتلونه في النهاية تاركًا زوجة وخمس بنات وصبيين في جحيم الديون المتراكمة..
***
ثم مع أخته في منزلها التي لو التقيا صدفة لا عرفته ولا عرفها.. هزل جسمها هزلًا شديدًا وسقطت ملامحها الممتلئة، وحل مكانها اصفرار، وخشونة، وخدود غائرة، ترتدي ثوبًا مهلهلًا كأنه أُلقي على هيكل عظمي، وقبعة صوفية في المنزل..
هرع إليها ابنها ليعيدها لسريرها ويعدل لها جلستها.. يستغرق عمر بعض الدقائق ليستوعب الحال، ولا يسأل عما هو أوضح وآلم من أن يُسأل عنه.. ويعود لسؤاله الذي لم يصل جوابه بعد: أين أمي؟ ترتبك إسراء فيستدرك زوجها عنها: – مع علي، في تركيا.. نتحدث معهم إن شاء الله.
***
ولكن عمر كان منفصلًا عنهم جميعًا، غريبًا، جامد الملامح، شاردًا في الفراغ، منكفئًا في جلسته وحديثه لا تعلم ما يجول بباله..
يعتصر قلب الأخت على أخيها، فكيف تبدل حاله بعد أن كان نزقًا عفويًا من أولئك المبالغين في الضحك والحديث، لا يعطي اعتبارًا للرزانة والإتيكيت، طيبًا زيادة عن اللزوم كما كانت تصفه أمه، لم تغير وحشة السوق والباعة من طيبته، فكان كأبيه يدخل مشاريع ثم يُنصب عليه، ثم ينام ليال طويلة خارج البيت هربًا من الملام والشفقة، ولا يرجعه إلا شوقه لعينيها..
تدخل نهال عليهم وقد اكتسبت هيئة أمها، عينيها الحنونتين الضيقتين بفعل تلك التجاعيد الغليظة، حاجبيها الكثيفين، امتلاء خديها وسمرتها، حتى حجابها السكري المثنيّ على جانبي الوجه خافياً كل الذقن وبعض الوجه، وجلبابها الطويل، وحقيبتها المنتفخة، تقطع شرود عمر ويحتاج ثوان ليدرك أنها نهال لا أمها..
حفلة أخرى من العناق والبكاء تزيد عن سابقاتها عاطفية وحرارة.. وتتوالى مكالمات الفيديو التي تتخللها التباريك والدموع.. يخفي الجميع أخباره السلبية، فلا عليّ تدمر بيته، ولا سناء فقدت زوجها، ولا أسماء فقدت بيتها، ولا فاطمة ترعى زوجًا أقعده القصف على كرسي متحرك..
***
– مها اقرئي خالو سورة «الحمدُ». تقرأ ويصفق لها خالها ويسألها عن اسمها، فتكرر: – مها على اسم جدتي رحمها الله..
ينظرون لبعضهم وهم متفاجئون قلقون مما كشفته الصغيرة، وحده عمر أكمل أكله، ولم يظهر تفاجؤًا، ولم يتغير هدوؤه أو حديثه حتى ظنوا أنه لم ينتبه لما قالت..
يقوم كلٌّ إلى شغله، ويجلس عمر بالقرب من سرير أخته، ويغفو ضامًا قدميه إليه ما استطاع، ورأسه على طرف سريرها، تحاول إيقاظه بعد برهة لكنه لا يستيقظ...
كان ليكون مأتماً آخر للعائلة.. لكن عمر ما خرج.. استشهد قبل عشرة أعوام في المعتقل.. قصة مبتورة لا نعرف نهايتها، ككل القصص المبتورة خلف القضبان بغير عزاء ولا نعوة تليقان به.. حزن أهله بالتدريج حزنًا موزعًا على كل أيامهم، غارقين في لجّ همومهم ومصائبهم وحتى أفراحهم..
أما أمه فقد توفيت كمدًا عليه، انتظرته طويلًا حتى لحقت به وعلها لقيته هناك..
|