في دوامة الحياة سريعة الإيقاع، قد لا يملك الإنسان في جعبته وقتاً للسكون والصفاء النفسي، والحقيقة أن منزلة هذا العمل التأملي ليس ترفاً وعملاً هامشيا في روح الإنسان، بل من أهم ما يعيد توازن الفرد هي تلك اللحظات التي يهدأ فيها مع نفسه بعيداً عن ضوضاء الحياة، وقد بيَّن الله عز وجل في كثير من المواضع في القرآن أثر التأمل في هدي القلب .. وفي هذا دعوى لأن نجعل للصفاء الذهني في يومنا حِصَّة. 🫀
صورة تعبر عن النَّص / المطعم الأحمر
البطاطس 🍟.. والهندسة 📐
يكتبها (يُوسف) في الهندسة الصناعية
في الطفولة، لم تكن لتبلغ أي وجبة منزلةً في معدتي إلا كان للبطاطس المقلية قبلها نظرٌ وسبق أثر، بمُلوحَتها الساخنة وبجانبها أكياس الكتشب !
لا زلت أذكرني في العاشرة من عمري وأنا أشدُّ لها الرِّحال في شمس الظهيرة مشياً على الأقدام، وفي جيبي (٥ ريالات) قد جمعتها من مصروفي المدرسي، لأعيش تجربة أكل البطاطا الساخنة والكتشب على طاولات المطعم.
قد ولّت أيامه، كبرتُ الآن ولم تعد البطاطا أسمى مطالبي، ثم دخلت الهندسة التي أصبح النجاة منها مطلبي الوحيد، لكن المفارقة أنني وجدت أن سرّ الوصول لهذا الشكل المثالي للبطاطس المقليّ، إنما كان نتاج فِكر هندسي مُبهر يركز على السرعة و جودة الأداء .. فأحببت مشاركته لرفع بعضاً من الغموض على نجاح هذا المنتج:
في غضون سير أي عملية تصنيعية في المصانع و المطاعم، هناك حد من إدارة الجودة في التصنيع يجب المحافظة عليه (Quality Management)، وليس الشاهد هنا جودة المنتج بذاته، بل جودة الإنتاجية؛ إذ يمكن أن نعبر عن مفهوم الجودة هنا بمدى كفاءة المصنع نسبةً للمدخلات والمخرجات المالية، فكل تقليل في التكاليف وزيادة في الناتج يُعد تحسينًا للجودة. لكن مهما بلغ التحسين، لن تبلغ الجودة حد الكمال، إذ لا بد من وجود هامش للخطأ (Margin of Error). وتعد عملية التنقيب عن الأخطاء في كل نقطة من خط الإنتاج من أثقل المهام على مهندسي المصانع. إذ لا يمكن إدراجها في سير العمل الاعتيادي، فهي كالبحث عن إبرة في كومة قش. الخطأ قد يقع في أبسط التفاصيل، وفي أي مرحلة من المراحل: من لحظة دخول المواد الخام من المورّد، إلى التصنيع، ثم التقديم للعميل.
يبرز هنا اسم "شيغيو شينغو"، أحد مؤسسي *نظام تويوتا للإنتاج (TPS)، حيث طوّر مفهوم الفحص بعد الإنتاج إلى ما يُعرف بـ"الفحص عند المصدر" (Source Inspection). أي أن يكون كل موظف مسؤولًا عن فحص المنتج قبل انتقاله إلى المرحلة التالية، وكأن المرحلة التالية هي العميل نفسه. ومن أهم أدوات هذا المفهوم: أدوات البوكا-يوكا (Poka-Yoke)، وهي أدوات ذكية تمنع الخطأ قبل وقوعه، وتضمن جودة العملية وسرعتها في آنٍ واحد.
مغرفة البطاطس / French Fry Scoop
من أجمل تطبيقات البوكا يوكا: هي مغرفة البطاطس المقلية في مطاعم الوجبات السريعة فهي تضمن التناسق في الكمية، وتسرّع عملية التقديم، وتُحافظ على شكل جذاب وجاهز للتقديم !
إنه من الرائع أن نتأمل لأي مدى تكمن الهندسة في حياتنا ومدى تأثيرها على واقعنا، فقد تكون مِغرفة بطاطس صُنعت بشكل هندسي سبباً في صنع ذكريات الطفولة لأحدهم.
شاركنا في سُدُم - كل تخصص هندسي، من الكهرباء إلى الميكانيكا، من العمارة إلى الحاسوب، يحمل في جعبته من القصص الكثير .. فكرة ذكية، أو تجربة صغيرة غيّرت واقعًا، أو حتى أداة بسيطة تحسّن حياة الناس.
لذلك، نحن ندعوك لتكتب معنا: نص صغير، تأمل شخصي، أو حتى قصة طريفة حصلت معك داخل المعمل أو خلف الشاشة. اكتب عن تخصصك، عن شغفك، عن لحظة فهمك لمفهومٍ صعب، أو عن كيف ربطت بين نظريةٍ في الكتاب وواقعٍ في الحياة.
لدراجة التك تك اليلدزية - يا عزيزي الطالب - مقامٌ عالٍ وجاهٌ رفيع في الجامعة، له ما له من التقدير، تراه يوماً أمام اليمكهانة ويوماً عند بوابة الريكتور، وها هو هنا يسير تحت أشجار الكرز. فإن رأيته يوماً فقف له احتراماً، ولا بأس أن تلتقط له صورةً لنضعها هُنا :)
التقطت بعدسة (كنانة) 📸
ما رأيك بنشرة سُدُم؟
شاركنا تقييمك للنشرة، مشاركاتك والتقاطاتك لحرم الجامعة لنضَعها في العدد القادم .. [شارك من هنا]