بعد أن أسمعتنا الأرض دويها، ورجفت بمن عليها، فاهتزت القلوب ذعراً و العقول ذُهلاً، ليتساءل الإنسان: مالَها؟
فهناك، وفي خضم ذلك الرجفان، تتوهج لمحة للمتبصرين: إنها ليست بدارٍ للبقاء.
فمن دواعي هذه الظواهر الكونية، أن تذكر الإنسان بحقيقة مآله الذي يقطع صلته بثقل الأرض وارتباطه بها؛ ليدرك أنها ليست أرض أمان ومستراح دائم للمكوث عليها .. حفظنا الله وإياكم من الزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن.
صورة تعبر عن النَّص / chatGPT
مَن قال إن الهموم لا تُورَّث؟! 🧬
تكتبها (سَلسبيل) في الهندسة الحيوية
هل خطر لك مسبقاً أن الحرب التي خاضها جدك في السبعينيات ومشاريعه الخاسرة التي تعايره بها جدتك وأسفاره التي عاد منها بخفي حُنين، هي نفسها قد تكون أسباب خيبتك وضعف مرونتك النفسية؟ بل تخيل أنك أنت نفسك ستورث توترك الهائل قبل الامتحانات إلى أحفادك إذا بقيت على هذه الحال! -ننصحك بتدارك المشكلة قبل أن يلومك أحفادك!-
قد تقول أن هذه مجرد خرافات ولكن لعلم "الوراثة فوق الجينية" قولٌ آخر
بادئ ذي بدء نحتاج أن ننفض الغبار عن معلوماتك الأحيائية المنسية منذ أيام المدرسة، ثم نرفدها بالقليل الجديد:
الDNA هو الحمض النووي الذي يحمل صفاتنا الوراثية، وهو شريط من الجينات التي تمثل الشيفرات الوراثية، يكون مطويًا على بعضه في نواة كل خلية في جسمنا. ليست كل هذه الجينات تعمل/تعبر عن صفاتها، فتعرّضنا لظروف مختلفة من مثل خللٍ في الغذاء أو توتر أو حتى بعض الأدوية قد يؤدي لإضافة مجموعة ميثيل (CH3) -وهي تثبط عمل الجين- إلى الDNA . هذا التغير المكتسب الذي يؤثر في "التعبير الجيني" لا "الجين نفسه" يمكن أن ينتقل عبر الأجيال وهو ما يهتم به علم الوراثة فوق الجينية أو Epigenetics.
واحدةٌ من آليات هذا التغيير هي المثيلة التي تحدثنا عنها (إضافة CH3 للحمض النووي)، وبدون خوضٍ في التفاصيل العلمية يمكنك اعتباره ببساطة زر on/off فوق كل جين.
مخبرياً، في دراسة لجامعة إيموري عام 2014 تم تدريب أصدقائنا الأوفياء "الفئران" على ربط رائحة الكرز بصدمات كهربائية خفيفة. وأظهرت تجارب لاحقة أن الخوف من الرائحة انتقل إلى الأجيال التالية، بما في ذلك الأحفاد الذين لم يتعرضوا للصدمات، اكتشف الباحثون أن تغيرًا في شكل الحمض النووي في الحيوانات المنوية للأجداد أدى إلى تغييرات في الدوائر العصبية للأحفاد. المثير للاهتمام هنا أنهم عندما توقفوا عن تعريض الأجداد للصدمات مع رائحة الكرز عادت الدوائر العصبية إلى شكلها الأصلي، أي لم يعد الأجداد يخافون الرائحة ولم تحمل الأجيال التي ولدت بعد ذلك هذا الخوف!
تاريخياً، الأفراد الذين كانوا أجنة في المجاعة الهولندية في الحرب العالمية الثانية امتدت إليهم معاناة أمهاتهم وهن حوامل بهم، فقد عانوا من زيادة في الوزن تجاوزت المعدلات الطبيعية وارتفاع معدّلات السمنة والسكري والفصام وحتى نسبة الوفيّات بأعمار أقل من إخوتهم الذين ولدوا في أعوام أخرى. وأظهرت الدراسات التي قامت بها جامعات مختلفة أنهم بالفعل يحملون مستويات مختلفة من المثيلة عن عينة الأفراد الذين لم يولدوا في المجاعة.
هذه النتائج تتشابه مع نتائج دراسة قامت بها مؤخراً University of Surrey على عينات لعاب من 1507 طفل لاجئ سوري، تتراوح أعمارهم بين 6 و19 عامًا، يعيشون في مخيمات غير رسمية في لبنان. وجدوا أن الأطفال الذين تعرضوا لأحداث الحرب أظهروا تغيراتٍ في الحمض النووي (DNA) في عدة مواقع مرتبطة بنقل الإشارات العصبية والاستجابة للتوتر، كما أظهرت الفتيات تأثرات تخلقية أقوى مما يشير إلى زيادة قابليتهن للتأثر بالصدمات، تتضمن ظروف الحرب مشاكل الفقر والعنصرية وغيرها بالطبع.
رويدك! قبل أن يتملكك اليأس وتسند جبينك إلى راحة كفك نادباً قدر ذريتك المحتوم المحكوم بما واجهت أنت في حياتك، دعني أذكرك أنه زر on/off، وعليهِ يمكنك بحفاظك على صحتك وعلاج ماخلّفَته ظروف الحرب والغربة من خراب هو بمثابة إرث عظيم قد يجعلهم قادرين على تجاوز ما تجاوزتَه أنت بخسارة أقل والله أعلم!
أخيرا وبعيدا أكثر عن التفاصيل العلمية، فلنتذكر أننا لسنا أسرى هذه الجينات التي لا تحابي أحداً، لكنها أقدارٌ من جملة سنن الله عز وجل، تؤطر سعينا الذي نملك فيه إرادتنا الحرة بالعمل والإحسان.
شاركنا في سُدُم - كل تخصص هندسي، من الكهرباء إلى الميكانيكا، من العمارة إلى الحاسوب، يحمل في جعبته من القصص الكثير .. فكرة ذكية، أو تجربة صغيرة غيّرت واقعًا، أو حتى أداة بسيطة تحسّن حياة الناس.
لذلك، نحن ندعوك لتكتب معنا: نص صغير، تأمل شخصي، أو حتى قصة طريفة حصلت معك داخل المعمل أو خلف الشاشة. اكتب عن تخصصك، عن شغفك، عن لحظة فهمك لمفهومٍ صعب، أو عن كيف ربطت بين نظريةٍ في الكتاب وواقعٍ في الحياة.